القطار
نوار الماغوط: ( كلنا شركاء ) 9/3/2006
بينما كنت أهبط الدرج مسرعا في أحد الأبنية في دمشق و رأسي منشغل بالواسطة التي ستقلني الى بيتي البعيد و بالواسطة التي يمكن أن أحصل منها على ترقية في وظيفتي . لفت نظري عدد من النسوة يقفن بالدور بشكل رتل أحادي أمام مدخل و على درج البناء كالتلاميذ بإنتظار العقوبة , و عندما إقتربت منهم , عرفت ما الخبر , إنهم مذيعات التلفزيون العربي السوري , يقصدون عيادة طبية تقدم خدمات التجميل و تخفيف الوزن , فقلت في نفسي حيا الله المدير العام على قراره الذي أصدره منذ أيام بخصوص منع ظهور المذيعة على الشاشة التي يزيد وزنها عن الرقمين الأولين من طولها , فبعد أن زالت عن التلفزيون كل الأسباب التي يمكن أن تعرقل مسيرة الإعلام السياسية و الإقتصادية و الثقافية , لم يعد في الواقع ما يزعج المشاهد إلا بعض الكيلوغرامات الزائدة لدى المذيعات .
المهم راعني المشهد و تخيلتهم يحاورون الطبيب المعالج الحوار التالي : تقدمت إحدى المذيعات و هي تهدر و تشكو و تتذمر , قالت : أنا يا دكتور عصبية , و أعمل مذيعة نشرة الأخب! ار , وكلما قرأت خبراَ و أعلم أنه غير صحيح أو تليت تصريحا و أعرف أنه نفاق َ أو أجريت مقابلة مع مسؤول و أنا متأكدة من أنه يكذب , أعبر عن إنفعالي فور إنتهاء النشرة بتناولي عشاءاَ دسماَ , وهي الطريقة الوحيدة التي أعبر فيها عن رأيي الطبيب : لا عليك , خذي هذه الحبوب , و تناولي حبة واحدة قبل كل نشرة اخبار , إذ تجعلك هذه الحبة تصدقين كل ما تقولينه , فتشبعي كلام حتى موعد النشرة التالية للأخبار .
ثم تقدمت مذيعة ثانية و قالت أنا يا دكتور مندوبة أخبار التلفزيون لتغطية إجتماعات المسؤولين , هناك سيارة تقلني لمكان الإجتماع , و أصعد الطوابق بالمصعد الكهربائي , و هناك ينتظرني مدير المكتب الصحفي يعطيني نصاَ جاهزاَ أتلوه أمام الكاميرا , و ظرفاَ اضعه في حقيبتي اليدوية , و عندها كل خلية من جسدي تنتعش و يتضاعف حجمها , فكما ترى لا وقت لدي لأن أتحرك أو أتنفس فكل شئ مرسوم بعناية و إتقان كما يريدون فما عليك إلا أن تبتسم و تشكر و تسترخي حتى موعد بث التقرير و موعد إعداد التقرير التالي .
الطبيب : أنت بحاجة إلى أن تذهبي الى المهمة بسيارة المراَب أصولاَ ( و أصولا هنا معناها الذهاب للمهمة ع! ند موعد الفترة) وهنا تتلقي الإزعاج رقم 1 تصلين متأخرة و الجميع يلوموك على التأخير و هنا الإزعاج رقم 2 .
ترفضي أي إملاء أو نص يفرض عليك و تصرين على متابعة تفاصيل الإجتماعات حتى النهاية و هنا ينظرون اليك كما المصورين الذين معك بإزدراء لأنهم يعتبرون الإعلام من المراسم و ليس متابعاَ و راصداَ لإجتماعاتهم أو أعمالهم , وهنا الإزعاج رقم 3 .
رفض أي مبلغ يقدم لك و لفريقك و هنا الإزعاج رقم 4 .
تحمل تبعات التقرير الذي سيبث علي الهواء الذي كتبتيه بموضوعيه و بمهنية نزيهة تفرضها أخلاق المهنة , منها أن يسقط إسمك من البيان المالي أو من دورة تدريبية داخلية أو خارجية , أو أن يقيم أداؤك بأنه ضعيف و تنقلي للبرامج التنموية , وهنا الإزعاج رقم 5 .
و مع كل هذه الإزعاجات تصابي بقهم عصبي يمنعك من الأكل و تصبحين مجرد جلد على كومة عظام .
ثم تقدمت المذيعة الثالثة , بصعوبة , و قالت مشكلتي يا دكتور أنني و منذ عشرات السنين و قبل البث الفضائي عندما تعالت الأصوات المنادية بتحرير الأراضي المحتلة حتى أخر متر و تحرير الإنسان من كل ما ينغص حياته و التزامه بكل ما هو جاد في الحياة إستعداداَ للمعركة الإستراتيجية مع العدو , ومنع الهدر بإطفاء أجهزة الإنارة عن! د عدم الحاجة و النظر الى الإنسان الذي يخالف القوانين بإذراء إذا كان يعرف إنه يخالف و ننبهه إذا كان لا يعرف , لذلك التزمت بكل ما هو جاد في الحياة فلم أعد أقدم إلا البرامج الجادة في الأدب و المسرح و السينما و الحب و الرياضة و الفن بشكل يبقى المشاهد عاقد الحاجبين من بداية البرنامج حتى نهايتة متمنيا رمي نفسة مع جهاز التلفزيون من أقرب نافذة تصلها قدمية َ و بعدها جاءات شعارات التطوير و التحديث وثم شعار الإصلاح في جميع مؤسسات الدولة الإنتاجية منها و الخدمية إعتقدت أنهم جادون في ذلك فكانت هذه الشعارات منهاج عمل لي فلم أعد أتحدث إلا عن التطوير و التحديث المطلوب في أداء السلطات الثلاث التشريعية و التنفيذية و القضائية و أشيد بالتقدم غير الملموس في ذلك بإعتبار أننا لا نملك عصا سحرية و المسألة فقط نحن بحاجة الى شوية و قت لذلك أنا ضجرة دائماَ فأنقرش ما تطاله يدي من أطعمه و ألتهي بالسكاكر و الحلويات بإنتظار دلائل و علامات النجاح في عملية الإصلاح لذلك تراني حزينة دائماَ و وزني يزداد و طولي ينقص و أفقي يضيق و تفاؤلي يتضائل . و عندها نظر الطبيب الى المذيعة نظرة حزينة منكسرة و تنهد و ق! ال : ومن قال لك أن كل ما يقال هو الذي يجب أن نصدقه و نعتمدة في عملنا مثل الإقتراب من الناس في برامجنا و تشجيع المبادرات و المواهب الجديدة للإعلاميين و تنمية الحس النقدي لدى المشاهدين لإنتقاد حكوماتهم وهل وجود وزارة للإعلام تعني أنه لدينا إعلام أو وجود وزارة المالية أنه لدينا مال نحن بإختصار في قطار كل في مقعده و مقطورته نسير على سكة لا تتغير و لا تتزحزح و يخطئ من يظن أن بمقدر القطار الصعود فوق هضبة أو جبل أو بإمكان أي شخص الوصول دون ركوب هذا القطار و نحن و في أحسن الأحوال يمكن أن نجري إصلاحات للقطار و تحديث لأثاثة و نفض الغبار عن موجوداته أو سكته ولا يفرق معنا من يسوق القطار أو يفتش عن تذاكر الركوب طالما السرعة وتوقيت الوصول للمحطات ثابتة لاتتغير و محددة سلفاّ و أي تفيير في السرعة أو الزمن يعرضنا لكارثة .
ثم تقدمت مذيعة رابعة , و قالت : مشكلتي يا دكتور أنني و منذ سنوات و أنا أعد و أقدم برامج الصحة في التلفزيون , و خلال هذه الفترة إكتسبت معارف و معلومات و خبرة صحية يعجز جل ّالأطباء أن يكونوا ملمينَ بها , فإعتراني شيء من الغرور و الثقة الزائدة في النفس مم دعاني أن أعلن بأنني أملك إختصاص قل نظيرة و أعتبر نفسي أفهم من ضيوفي في البرامج ! التي أقدمها , و قد تأثرت بالطبيب المرحوم صبري القباني لدرجة كبيرة و أتخذ من مقولته التالية شعار و منهج عمل لي و هي : لولا الأطباء لعاش الناس بسعادة أو بمعنى أخر لا تسمع كلام الأطباء تعش سعيداَ , فما كان من كلام ضيوفي الاطباء عن الروجيم و تخفيف الوزن و الحمية الغذائية و النظام الغذائي و في الحركة بركة إلا دافعاَ قوياَ نحو مزيد من السمنة و الأكل الدسم ومزيد من الكسل و قلة الحركة .
فلم يبادر الطبيب بأي تعليق ............فقد ينصحها بخف للركض فتبادر الى الإستخفاف برأيه . ثم تقدمت مذيعة خامسة , وقد إختلطت تفاصيلها , و الزبد يتطاير من شفتيها و قالت ألم يشاهد المدير العام أشهر و أوزن مقدم برامج حوارية الأستاذ عماد أديب و هذا أكبردليل على خطأ قراره عندما ربط المذيع بوزنه متجاهلاَ ثقافته . فرد الطبيب قائلاََ : معك حق فأنا مستعد أن أقف في الشارع العام و في البرد و أشاهد له برنامجاَ حوارياَ ولكن أعطني أسم واحد فقط من المذيعين لدينا يشبه أو قريب من شبه عماد أديب في ثقافته و أنا مستعد لا أن أبوس شوارب المدير العام فقط ليعدل عن قرارة بل شوارب و رؤوس جميع العاملين في ا! لتلفزيون من البوفيه و حتى العلم الذي يرفرف على السطح .
و عندها راق ت لي فكرة أو حل للمشكلة أردت أن أقولها للطبيب و هي أن المشكلة ليست في المذيعات أو المذيعين مهما تكن أوزانهم أو أطوالهم, المشكلة بالأساس في بنية الإعلام السوري , بالمذيع الذي يخاف أن يقول رأيه الصريح بخطاب رئيس حكومة أو تصريح رئيس مجلس شعب أو وزير أو تعليق سفير أو محلل سياسي و الحل برأيي بعودة الإعلام كسلطة رابعة و متحرر من السلطة التنفيذية مرتبطاَ بأعلى هيئة في الدولة وبعدها انتظرت حتى خلت العيادة من المذيعات , دخلت الى الطبيب , و قد بدا منهكاَ من التعب و يدفن رأسه بين راحتيه بشكل يخفي وجهه , عندما بدأت بالحديث , رفع الطبيب وجهة و لكم كانت دهشتي كبيرة , لقد كان الطبيب هو نفسه المسؤول عن الإعلام .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق